
لم يكن انْبِثاقُ سيتا من مكامنِ التُّربةِ إلا رمزيّةً لتجلِّي المقدَّسِ في هيئةٍ حسيَّةٍ، وما هي في جوهرِ التأويلِ إلا مخاضُ رؤيةٍ تتخلَّقُ من رَحِمِ الأرضِ لتعيدَ صياغةَ الصِّلَةِ بين المادَّةِ والروحِ. إنَّها لا تُولدُ ولادةً بيولوجيَّةً محدودةً، بل تنبجسُ انبجاسَ السنابلِ عن أثلامِها، لتكونَ هيئةً للفكرةِ البِكْرِ حين تشقُّ عنها حُجبَ الكُمُونِ؛ فليستِ الأرضُ هنا سوى المَعينِ الأوَّلِ الذي يمنحُ الرؤيةَ كَثافتَها، وليس فعلُ الاكتشافِ إلا نوعاً من التلقِّي العرفانيِّ لعطيَّةٍ لم يفتعلْها الذِّهنُ، بل استنزلَتْها لحظةُ الصَّفاءِ الكونيِّ. ومِنْ ثَمَّ، يغدو هذا الانبثاقُ إعلاناً عن انصهارِ الذاتِ بالموضوعِ، والترابِ بالمعنى؛ فكما استحالتِ الأرضُ رَحِماً للقداسةِ، يستحيلُ هذا الـمَسارُ ميداناً لولادةِ فكرةٍ تستمدُّ خُصوبتَها من جذورِ الوجودِ، لتنسجَ خيطاً خفيّاً يربطُ بين كثافةِ الطِّينِ ولطافةِ المتَعالي، في وحدةٍ عضويَّةٍ تتجاوزُ ثنائيّةَ الانفصامِ إلى رِحابِ الاتِّصالِ.

